الأربعاء، 28 يناير 2026

الشاعرة سالى النجار تكتب...... لحظه من عمر الزمن


 لحظه من عمر الزمن

كانت الساعة تشير إلى السابعة مساءً حين توقفت سيارتي أمام بيتها. لم تكن الأضواء كالعادة تملأ النوافذ، بل كان ثمة سكون موحش يلف المكان. دخلتُ وأنا أحمل في صدري غصة الخبر الذي اهتزت له أركان الحي: "زوج صديقتكِ تزوج عليها".
وجدتُها تقف في منتصف الصالة، لا تبكي ولا تصرخ، كانت في حالة من الانهيار الصامت، ذاك الذي يشبه هدوء ما قبل العاصفة التي تقتلع كل شيء. سألتها بمرارة، وصوتي يرتجف: "متى عرفتِ؟".
أجابتني بصوتٍ مخنوق، وعيناها مثبتتان على فراغ سحيق:
"كنتُ أشعر بالبرودة تتسلل إلى فراشنا منذ فترة، واليوم.. تأكدت أن الشك لم يكن وهماً. عليه الآن أن يرحل، لم أعد أحتمل حتى ملامح وجهه التي كنتُ أراها قدسية."
نظرتُ إليها بدهشة تملؤها الشفقة: "وكيف ستعيشين؟ يا صديقتي، لقد قضيتِ ثلاثين عاماً معززة مكرمة، دخلتِ مملكته وأنتِ ابنة السابعة عشر، كنتِ له كل شيء، وكان لكِ العالم أجمع.. كيف ستعملين الآن؟ وكيف تبدئين من الصفر بعد أن شاب الشعر وانحنى الظهر؟"
ذاكرة من رماد
في تلك اللحظة، عاد بي الزمن عشر سنوات للوراء. تذكرتُ ردهات النادي حيث تعارفنا، كانت لا تنطق جملة إلا واسمه يتصدرها كأنه عنوان هويتها. تذكرتُ ابتسامتها التي تفضح فرط عشقها كلما مرّ ذكره. كانت تقول عنه بفخر: "هذا عشرة عمري الحلوة".
أما اليوم، فلم أرَ في عينيها سوى رمادٍ خلفته نيران الخذلان. قالت لي بقلبٍ مثقوب: "هل ظلمنا التشريع حين أباح التعدد؟ أليس الآخرون بتمسكهم بامرأة واحدة أكثر رحمة بقلوبنا؟".
حاولتُ تهدئتها بالمنطق المعتاد، أن الرجل أحياناً يهرب من المعصية إلى الحلال، فجاء ردها كالصاعقة التي أخرستني:
"ليته عصى الله ليحترق بناره في الآخرة، ولا كسر قلبي ليحرقني بناره في الدنيا! النار هناك مؤجلة، وناره هنا تأكلني كل ثانية."
الإقامة الجبرية
لم تكن النهاية انتصاراً لكرامتها، بل كانت انكساراً ممتداً خلف الجدران المغلقة. بعد خلافات طاحنة وصراعات نفسية، اختار الزوج أن يطلق "الأخرى" ليعود لبيته الأول، ظناً منه أن المياه ستعود لمجاريها بكلمة اعتذار.
وعادت هي إليه.. لكنها في الحقيقة "لم تعد".
عادت لأنها لا تملك رفاهية الرحيل، ولا تملك ثمن الاستقلال بعد عمرٍ ضاع في خدمة أحلام غيرها وبناء جدران بيت لم يحمِ قلبها. عادت جسداً بلا روح، امرأة غريبة باردة لا تشبه تلك التي عرفتها يوماً.
الدرس القاسي
أدركتُ حينها أن كسر خاطر المرأة بعد الثلاثين ليس مجرد "نزوة" عابرة، بل هو هدمٌ لذاكرة كاملة واغتيال للأمان.
عندما يغيب الأمان، يصبح وجه الحبيب عبئاً.
يصبح صوته ضجيجاً يؤذي المسامع.
ويصبح البقاء معه مجرد "إقامة جبرية" بانتظار الرحيل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كريستين أفرام تكتب .....الحبّ: صيرورة الكائن

    الحبّ: صيرورة الكائن الحبّ ليس شعورًا عابرًا ولا تملّكًا للآخر هو اهتزاز واعٍ ينسجم مع جماليات الكون مع المدارات التي تجعل الكائنات مختل...