الأربعاء، 14 يناير 2026

الأستاذ عيدان آل بشارة ...... " الحكة التي لا تهدأ "


 مقال الأسبوع

🎆
" الحكة التي لا تهدأ "
🔲
المقدمة :
يقولون في الأمثال: "من تدخل فيما لا يعنيه، لقي ما لا يرضيه"، لكن يبدو أن حب التدخل في واقعنا أصبح هو الذي يحيي المجالس. الفضول هو ذلك الشعور الغريب الذي يجعل المرء يترك شأنه الخاص ليركز في شؤون غيره، وهو شعور حائر جداً؛ فمرة نراه ذكاءً واكتشافاً، ومرات نراه تطفلاً لا مبرر له.
ومثلما يسكن الفضول ردهات البيوت، تسلل أيضاً خلف الشاشات؛ حيث تحولنا من مراقبين لعابرين في الشارع، إلى متصفحين لشظايا حياة الآخرين عبر التلصص الإلكتروني. فنحن لا ننتظر إشعاراً عادياً، بل ننتظر بلهفة من وضع إعجاباً ومن ترك تعليقاً، وكأننا نعيش في دوامة اليوميات العابرة لنعرف تفاصيل يوم فلان وسفر علان، ناسين أننا نراقب واقعاً مُفلترًا بينما يمر واقعنا الحقيقي من بين أيدينا.
المشكلة إذن ليست في الفضول كفطرة، بل في الوجهة التي نختارها له؛ فالفضول نحو المعرفة هو الجسر الذي يعبر بنا إلى الحكمة ويبني الحضارات، أما الفضول نحو أسرار الناس فهو الجدار الذي يهدم الروابط ويسمم المجتمعات. هي مسافة رقيقة جداً تفصل بين الشخص المهتم الذي يسأل بقلب محب ليطمئن، وبين الشخص المتطفل الذي يسأل بعقل ضيق ليحلل وينتقد.
🔲
التحليل :
الواقع يقول إن الفضول لم يعد مجرد حشرية عابرة، بل أصبح وظيفة يُشغل بها الفراغ. وحين يتم الغوص في أعماق هذا الشعور، يظهر بوضوح أن الفضول يُستخدم كمجهر يُوضع فوق حياة الآخرين للبحث عن غلطة أو نقص؛ ليس حباً في المعرفة، بل بحثاً عن راحة زائفة تجاه النقص الشخصي.
وهناك كذبة شائعة تقول إن متابعة يوميات الآخرين هي نوع من التواصل، لكن الحقيقة المرة هي حالة من الإدمان على مراقبة تفاصيل لا تعني أحداً. مراقبة الآخر ماذا أكل، وأين سافر، ومع من اختلف، لا تنبع من أهمية حياته، بل من محاولة للهروب من مواجهة سكون الحياة الشخصية. هذا الفضول الرقمي حوّل الكثيرين إلى مشجعين في مدرج كبير؛ يراقبون اللاعبين وهم يعيشون، بينما يكتفي المراقبون بالجلوس في أماكنهم بلا فعل سوى التحليل والتعليق.
في هذا الواقع، انعدمت المسافة الرقيقة التي تفصل بين الاهتمام والتطفل. أصبح السؤال عن الحال فخاً لجمع المعلومات، والاطمئنان ستاراً لانتزاع الأسرار. فالشخص المتطفل لا يسأل ليداوي جرحاً، بل ليسأل كيف جُرحت؟ ليروي القصة في مجلس آخر. وهذا هو السم الذي يفتك بالروابط؛ لأن الصدق يموت ويحل محله حب اطلاع مجرد من أي قيمة إنسانية.
🔲
الخاتمة :
إن استعادة توازننا في هذا الواقع المزدحم بالفضول تبدأ من كلمة واحدة: الاستغناء. نعم ؛ الاستغناء عن معرفة ما لا ينفع، وعن تتبع أثر من لا يضيف لحياتنا قيمة. الفضول طاقة هائلة، ومن المحزن أن نُهدرها في ثقوب الأبواب أو خلف الشاشات لمراقبة عثرات الآخرين. لنعد بوصلة فضولنا إلى الداخل؛ لنبحث في عيوبنا لنصلحها، وفي مواهبنا لنطورها. ففي النهاية، لن يُسأل الإنسان عما فعله الناس، بل عما فعله هو بحياته ووقته. فاجعل فضولك جسراً يرفعك، لا قيداً يكبلك في حياة غيرك.
الأستاذ عيدان آل بشارة
بغداد- العراق
13 كانون الثاني 2026 م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

د جمال إسماعيل يكتب......أرواح طيبة ..

  أرواح طيبة .. يرحلون عنا بأجسادهم وأرواحهم دومًا تُنادمنا أيام الربيع تطيب بقربهم والحب في القلوب يَجمعنا الطيب في رحابهم يجود والخير من ج...