قصة قصيرة
سُكُونٌ
______
اِنْسَكَبَ نِصْفُ الشَّايِ عَلَى عَتَبَةِ البَابِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ كَمَالٌ. تَلَوَّنَتِ التُّرْبَةُ بِبُقْعَةٍ دَاكِنَةٍ. اِعْتَرَضَهُ سَعِيدٌ عِنْدَ المَدْخَلِ، صَوْتُهُ مَبْحُوحٌ مِنْ سَهَرٍ طَوِيلٍ: «تَغَيَّرْتَ يَا كَمَالُ. صِرْتَ تَمْشِي كَأَنَّ الأَرْضَ تُلَاحِقُكَ». وَقَفَ كَمَالٌ لَحْظَةً. رَمَقَ البُقْعَةَ ثُمَّ سَعِيدًا، وَقَالَ بِصَوْتٍ جَفَّ مِنْهُ المِزَاحُ: «مَضَى وَقْتُ الكَلَامِ». وَمَضَى. تَرَكَ سَعِيدًا وَاقِفًا، وَالكُوبُ يَرْتَعِشُ فِي يَدِهِ. صَعِدَ إِلَى غُرْفَتِهِ. النَّهْرُ تَحْتَ النَّافِذَةِ سَاكِنٌ، وَالمَرَاكِبُ رَاسِيَةٌ بِلَا حَرَكَةٍ. مُنْذُ مَاتَ أَبُوهُ، صَارَ يَرُدُّ بِإِيمَاءَةِ رَأْسٍ بَارِدَةٍ. الكَلَامُ إِذَا وَصَلَ حَلْقَهُ احْتَرَقَ. وَقَفَ أَمَامَ الزُّجَاجِ المُعْتِمِ. وَجْهُ هُوَ، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ غَائِبَتَيْنِ. كَأَنَّهُ تَرَكَ رُوحَهُ فِي جِنَازَةِ أَبِيهِ وَلَمْ تَعُدْ. نَزَلَ إِلَى الزُّقَاقِ. اِلْتَصَقَ الطِّينُ بِحِذَائِهِ. وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى اسْمِهِ مَنْقُوشًا عَلَى الجِدَارِ بِحُرُوفٍ مَائِلَةٍ. هُنَا ضَحِكَا حَتَّى دَمَعَتْ عُيُونُهُمَا عَلَى سُؤَالِ امْتِحَانٍ تَافِهٍ. الآنَ يَخَافُ أَنْ يَضْحَكَ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: «مَاتَ أَبُوهُ مُنْذُ أُسْبُوعٍ». ضَوْءٌ أَصْفَرُ مِنْ مَشْرَبِيَّةٍ عَالِيَةٍ مَسَحَ عَلَى صَدْرِهِ. خَفَّ الثِّقْلُ قَلِيلًا. جَلَسَ عَلَى المِصْطَبَةِ، وَيَدُهُ تَثْقُلُ وَلَا تَسْتَقِرُّ. تَذَكَّرَ الشَّايَ. عَادَ قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ. كَانَ سَعِيدٌ لَا يَزَالُ وَاقِفًا، يَدْعَكُ البُقْعَةَ بِكُمِّهِ حَتَّى بَهِتَ. رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَآهُ فَصَمَتَ. جَلَسَ كَمَالٌ بِجِوَارِهِ. طَالَ السُّكُوتُ بَيْنَهُمَا. قَالَ كَمَالٌ وَالصَّوْتُ يَتَكَسَّرُ فِي حَلْقِهِ: «أُحَاوِلُ أَنْ أَنَامَ لِأَحْلَمَهُ. لَا أَسْمَعُ صَوْتَهُ، حَتَّى حِينَ يُنَادِينِي». نَظَرَ إِلَيْهِ سَعِيدٌ. كُمُّهُ مَبْلُولٌ بِبَقَايَا الشَّايِ. أَمْسَكَ يَدَهُ وَقَالَ بِهَمْسٍ: «أَنَا أَسْمَعُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ. يَقُولُ: اِعْتَنِ بِهِ». سَكَنَتْ يَدُ كَمَالٍ. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أُسْبُوعٍ لَمْ يَرْتَجِفْ. سَقَطَتْ دَمْعَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى خَدِّهِ.
───
بقلمى / عادل عطيه سعده
جمهورية مصر العربية





