الخميس، 5 فبراير 2026

د. عبد الرحيم الشويلي يكتب.....إِنْ لَمْ أَكْتُبْ لِأُفَرِّغَ ذِهْنِي، أُصَابُ بِالْجُنُونِ.


 «إِنْ لَمْ أَكْتُبْ لِأُفَرِّغَ ذِهْنِي، أُصَابُ بِالْجُنُونِ.»

— لُورْدُ بَايْرُون
قِصَّةٌ قَصِيرَة
لِلْغَدِ قِصَّةٌ أُخْرَى
يَعْرِفُ أَنَّ رَأْسَهُ لَمْ يَعُدْ رَأْسًا، بَلْ غُرْفَةَ أَرْشِيفٍ مُهْمَلَةً.
أَفْكَارٌ فَوْقَ أَفْكَارٍ، أَوْرَاقٌ بِلا عَنَاوِين، وَذِكْرَيَاتٌ تَنْفَتِحُ وَحْدَهَا عِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ كَأَدْرَاجٍ عَنِيدَةٍ.
جَلَسَ إِلَى الطَّاوِلَةِ لِيَكْتُبَ.
لَمْ يَكْتُبْ.
الْقَلَمُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ يُشْبِهُ أَدَاةَ اتِّهَامٍ أَكْثَرَ مِمَّا يُشْبِهُ أَدَاةَ نَجَاةٍ.
قَالَ فِي سِرِّهِ:
«سَأَبْدَأُ بِالْوَطَنِ».
فَجَاءَتْهُ صُورَةُ نَشْرَةِ أَخْبَارٍ قَدِيمَةٍ، وَمُذِيعٌ فَقَدَ صَوْتَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْقِدَ بَلَدَهُ.
قَالَ:
«إِذًا… الْغُرْبَةُ».
فَسَمِعَ ضِحْكَةَ الْجَارِ فِي الشَّقَّةِ الْمُجَاوِرَةِ؛ ضِحْكَةً مَحَلِّيَّةً جِدًّا، مُسْتَفِزَّةً جِدًّا، لَا عِلَاقَةَ لَهَا بِالْفَلْسَفَةِ وَلَا بِالْحِنِينِ.
تَذَكَّرَ الْحُبَّ.
أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ.
فَالْحُبُّ، مِثْلُ الْوَطَنِ، لَا يَزُورُهُ إِلَّا وَهُوَ مَشْغُولٌ بِتَسْدِيدِ فَاتُورَةِ الْكَهْرَبَاءِ.
نَهَضَ وَمَشَى فِي الْغُرْفَةِ.
الغُرْفَةُ ضَيِّقَةٌ، لَكِنَّ رَأْسَهُ أَضْيَقَ.
نَظَرَ إِلَى النَّافِذَةِ؛ مَدِينَةٌ كَامِلَةٌ تُمَارِسُ حَيَاتَهَا بِدُونِ أَدْنَى اكْتِرَاثٍ لِكَوْنِهِ كَاتِبًا عَلَى حَافَّةِ الْجُنُونِ.
وَهَذَا، فِي حَدِّ ذَاتِهِ، إِهَانَةٌ وُجُودِيَّةٌ.
عَادَ وَجَلَسَ.
كَتَبَ سطرًا.
مَسَحَهُ.
كَتَبَ سطرَيْنِ.
اتَّهَمَ نَفْسَهُ بِالْثَّرْثَرَةِ.
اتَّهَمَ الْكِتَابَةَ بِالْعَجْزِ.
اتَّهَمَ بَايْرُونَ بِالْمُبَالَغَةِ.
ضَحِكَ.
ضِحْكَةً قَصِيرَةً، سَوْدَاءَ، تُشْبِهُ ضِحْكَةَ مَنْ فَهِمَ النُّكْتَةَ مُتَأَخِّرًا.
فَهِمَ أَنَّ الْمُشْكِلَةَ لَمْ تَكُنْ فِي الْوَطَنِ، وَلَا فِي الْغُرْبَةِ، وَلَا فِي الْحُبِّ،
بَلْ فِي هَذَا التَّرَاكُمِ الصَّامِتِ الَّذِي، إِنْ لَمْ يُفَرَّغْ… يَنْفَجِرْ.
كَتَبَ بِدُونِ خُطَّةٍ.
كَتَبَ عَنْ قَلَمٍ لَا يَكْتُبُ.
عَنْ وَطَنٍ يَأْتِيهِ فِي الْمَنَامِ بِلَا تَأْشِيرَةٍ.
عَنْ غُرْبَةٍ تَبْدَأُ مِنَ الْمِرْآةِ.
وَعَنْ حُبٍّ مُؤَجَّلٍ، كَرِسَالَةٍ لَمْ تُرْسَلْ لِأَنَّ الشَّبَكَةَ ضَعِيفَةٌ.
لَمْ تَكُنْ نُصُوصًا عَظِيمَةً.
كَانَتْ فَوْضَى.
وَكَانَتْ… مُنْقِذَةً.
عِنْدَمَا انْتَهَى، لَمْ يَشْعُرْ بِالسَّعَادَةِ.
شَعَرَ فَقَطْ أَنَّ رَأْسَهُ صَارَ أَوْسَعَ قَلِيلًا.
طَوَى الْوَرَقَةَ، وَوَضَعَ الْقَلَمَ، وَقَالَ بِهُدُوءِ رَجُلٍ نَجَا مُؤَقَّتًا:
«الْيَوْمَ… لَنْ أُصَابَ بِالْجُنُونِ».
ثُمَّ ابْتَسَمَ.
لِلْغَدِ قِصَّةٌ أُخْرَى...!!.
القاص
د. عبد الرحيم الشو يلي
القاهرة
5.فبراير.2026م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

داليا سمير شحاته تكتب...........أريد سلاما

  أريد سلاما بقلم/ داليا سمير شحاته أريد سلاما يسكن القلب قبل المكان ويمنح الروح طمأنينة لا تزعزعها تقلبات الأيام أريد سلاما يجعلني أنام مطم...