حوار بيني
..وبين طلبتي
الأستاذ:
لن أسألكم اليوم عمّا تعرفون، بل عمّا تشعرون به وأنتم موجودون.
قولوا لي: هل تحسّون أن وجودكم مُبرَّر؟
طالب 1:
أحيانًا نعم، وأحيانًا أشعر أنني زائد عن الحاجة.
الأستاذ:
هذا الشعور هو بداية الفلسفة. الإنسان لا يولد ومعه دليل استعمال. يُلقى في العالم، ثم يُطالَب أن يوقّع على مسؤوليته.
طالبة 1:
وهل هذا الإلقاء ظلم؟
الأستاذ:
يكون ظلمًا إذا أنكرتَ حريتك، ويصير نعمة حين تعترف بها. الوجود امتحان مفتوح.
طالب 2:
سارتر يرى أن لا معنى سابق للإنسان.
الأستاذ:
وأنا أقول: لا معنى جاهز، لكن هناك أفقًا للمعنى.
الله لم يكتب لك السيناريو، لكنه أعطاك البوصلة.
طالبة 2:
إذن نحن من يخلق القيم؟
الأستاذ:
نحن نُجسّدها. القيم ليست أفكارًا معلّقة في السماء، بل أفعالًا تمشي على الأرض.
طالب 3:
وهل الفعل وحده يكفي؟
الأستاذ:
الفعل بلا وعي تهوّر، وبلا نية استعراض.
في الإيمان، كل فعل سؤال أخلاقي: لماذا أفعل؟ ولأجل مَن؟
طالبة 3:
نخاف الحرية، أستاذ.
الأستاذ:
طبيعي. الحرية مرعبة لأنها تُسقط الأعذار.
لم يعد هناك من نلومه: لا المجتمع، ولا القدر، ولا الآخرين.
طالب 4:
وماذا عن القدر؟
الأستاذ:
القدر إطار، لا قيد. يولدك في مكان وزمان، لكنه لا يعيش عنك.
أنت مسؤول داخل ما لم تختره.
طالبة 4:
وهل القلق دليل ضعف؟
الأستاذ:
القلق دليل وعي.
الملائكة لا تقلق لأنها لا تختار، والحيوانات لا تقلق لأنها لا تسأل.
الإنسان يقلق لأنه حر.
طالب 5:
لكن القلق يتعبنا.
الأستاذ:
يتعب من يهرب منه.
أما من واجهه، فيتحول عنده إلى صلاة صامتة.
طالبة 5:
هل هذا هو التصوف؟
الأستاذ:
التصوف الواعي هو أن تعيش الوجود بكامله أمام الله، بلا أقنعة.
أن تختار وأنت تعلم أنك مرئي.
طالب 6:
وهل الإيمان يلغي العبث؟
الأستاذ:
الإيمان لا يلغي العبث الخارجي، لكنه يمنع العبث الداخلي.
قد لا تفهم العالم، لكنك تفهم موقفك منه.
طالبة 6:
ومتى يكون الإنسان أصيلاً؟
الأستاذ:
حين يعيش وفق ما يراه حقًا، لا وفق ما يُنتظر منه.
الأصالة صدقٌ مكلف.
طالب 7:
وهل الخطأ سقوط؟
الأستاذ:
السقوط أن تكذب على نفسك.
أما الخطأ، فهو درس وجودي إن تحمّلت مسؤوليته.
طالبة 7:
أستاذ… ماذا تريد منا في النهاية؟
الأستاذ (بهدوء عميق):
أريدكم أحرارًا لا فوضويين،
قلقين لا يائسين،
مؤمنين لا مقلّدين.
أريدكم أن تصنعوا ذواتكم،
وأنتم تعلمون أن كل اختيار شهادة،
وأن الله لم يخلقكم عبثًا،
بل خلقكم مسؤولين… ومحبوبين.
الطلبة (صمت طويل)…
الأستاذ:
حين تصمتون بهذا العمق، أعرف أن الدرس بدأ.
عبد السلام
فزازي- من رحاب الجامعة..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق