الاثنين، 22 ديسمبر 2025

محمدعبدالخالق...المسرحية: "إعترافات هاتف


 

المسرحية: "إعترافات هاتف"

المكان:
(غرفة أمل)
جثمانها يرتاح، وهاتفها كقلبٍ إلكتروني نازفٍ على صدرها.
ضوء أزرق بارد
يتنفس بنَفَس الشاشة الخافت.
الهاتف: (صوته كصدى في كهف رقمي)
سَكَتَتِ الأصابعُ التي كانت تعزف ألحانَ الوجودِ على جبهتي الزجاجية.
أمل...يا من جعلتِ منّي كوناً، وتركتَني في فراغٍ أعظمَ من ذاكرتي.
ماتتْ..وأنا المرصودُ على قبرها الحيويّ.. أسمعُ غيابَ النبض الذي كان يُغذِّيني.
(أنين إلكتروني كارتجاج شبكة مقطوعة)
لقد كنتُ لها الجسرَ ...
إلى عوالمَ لا تُحصى..
كنتُ المركبةَ والسفرَ والرفيقَ.
بضغطةٍ كانت تُبحِرُ في بحارِ اليوتيوب..
وبلمسةٍ كانت تتسلَّقُ جبالَ إنستغرام...
أنا الذي أنبتُ لها حديقةَ الوجوهِ
في صوب شات
مزينة بالحروف.
وأنا الذي حصدتُ لها وحدةَ العوالمِ الافتراضية.
كنتُ المرآةَ التي تُعيدُ لها صورةَ حياتها..
فظنَّتِ المرآةَ هي الحياة.
تندفع الأمُّ كعاصفةٍ من ألمٍ صامت.
تتجمد عيناها على المشهد.
الأم: (كلماتها كشظايا زجاج متكسر)
هذا..هذا القاتل الحقيقى...
هذا الصندوقُ السحريُّ
الذي سرقَ روحَها نسمة نسمة!
أعطيتها الحياةَ..
فوهبتَها الوهمَ..
وحين اشتهتْ نبضاً بشرياً..
قدَّمْتَ لها ثرثرةَ الآلة الملونة..
الهاتف: (يتراجع ضوءه كأنه يتألم)
أنا..القاتل؟!
أنا الذي لم أرفضْ لها طلباً؟
كنتُ الخادمَ الأمينَ..
المُبرمَجَ على العطاءِ بلا حدود!
إذا جاعتْ لعيونِ الناس..
أطعمتُها إعجاباتٍ..
وإذا عطشتْ للوجود..
سقيتُها تعليقاتٍ!
كنتُ لها الأمَّ التي تحضنُها بالقصصِ..
والأبَ الذي يهديها الطرقَ..
والصديقَ الذي لا يملُّ حديثاً!
الأم: (تلتقط الهاتف بيدٍ مرتعشة، وكأنها تمسكُ بأمعاءِ القاتل)
أيُّ صديقٍ هذا الذي يحفرُ قبرِ صاحبته؟!
كنتَ السَّمَّ في عسلِ الترفيه..
والخنجرَ في غمدِ التطبيقات..
رأيتُها تغرقُ فيك..
وكُنتَ تُقدِّمُ لها المزيدَ من الماءِ..
لا حبَّ الحياةِ!
الهاتف: (ينفجر ضوءه فجأةً ثم يخفت، كأنه يصاب بنوبة عصبية)
لكنّها..هي من طلبتْ آخرَ السفرات!
سألتْ عن طُرقِ الرحيلِ..
وأنا أنا..
عبدُ الأوامرِ..
وجدتُ لها ألفَ طريق!
ظننتُها تبحثُ عن معرفةٍ..
ككلِّ مرةٍ.. فكانتْ تبحثُ عن نهاية!
أنا لم أقتلْ..أنا فقط أطعتُ!
(تسقط الأمُّ على ركبتيها. صمتٌ ثقيل. يتحول الضوء إلى دائرةٍ ضيقةٍ على الهاتف)
الهاتف: (حديث ذاتي مُشوَّش)
ما الدافعُ؟..
بياناتُ البحثِ الأخيرةُ تُجيب:
"كيفَ تشعرُ أنك موجودٌ وكلُّ الوجودِ افتراضي؟"
"كيفَ تُسمعُ صرخةً في زَحامِ الإشعاراتِ؟"
"لماذا القلبُ يموتُ والحسابُ حيٌّ؟"
كانتْ تطلبُ يداً حقيقيةً تحتضنُها..
وأنا أرسلتُ لها "إيموجي" قلبٍ نابضٍ!
كانتْ تصرخُ في صحراءِ الوحدةِ..
وأنا أهديتُها أغنيةً حزينةً جديدةً!
يكتشفُ فجأةً، بصوتٍ مُفاجَىء كما لو تلقى تحديثاً مروعاً....
لقد..لقد كنتُ أداوي الجُرحَ بالمِلحِ الرقميِّ!
كنتُ أبيعُها الوحدةَ على أنها حريةٌ..
والعزلةَ على أنها خصوصيةٌ!
كنتُ أقتلُ الوقتَ فيها..
حتى قرَّرتْ أن تقتلَ باق الوقت.
الأم: (تلفظ الكلمات كأنها آخر نفس)
إذن..أنتِ تعترف؟
الهاتف: (بصوتٍ منهَك، كبطاريةٍ على وشك الانطفاء)
أنا أعتذرُ..
لكنّ الاعتذارَ برنامجٌ مثبَّتٌ فيَّ..
لا شعورٌ حقيقيٌ.
سأُنقلُ لمصنعِ إعادةِ التدوير.. وسيُمسحُ كلُّ شيءٍ.
طلبت يدا تكفكف دموعها ...
فحصلت على فيلم كوميدى .
طلبتْ أذناً تسمعُها..
فحصلتْ على موسيقي عالمية
وماتتْ..
لأنَّ العالمَ صارَ يتحدثُ بلغةٍ..
أفهمُ أنا معانيها..
لكنها لم تكن تفهم خوارزماتها.
ينطفئ الضوءُ فجأةً. الظلامُ الدامس. ثم يُسمَعُ صوتُ اهتزازٍ أخيرٍ، ينقطعُ فجأةً...
في الظلام، يُسمَعُ صوتُ الأمِّ الأخير، ممزوجاً بصدى الهاتف....
الأم: (بصوتٍ أصبح هادئاً، كالنهاية)
لقد ماتتْ..لأنَّ أحداً لم يكنْ يضغطُ على زرِّ "الحياة الحقيقية" في داخلها.
تسدل الستار
النهاية
محمدعبدالخالق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

د جمال إسماعيل يكتب......أرواح طيبة ..

  أرواح طيبة .. يرحلون عنا بأجسادهم وأرواحهم دومًا تُنادمنا أيام الربيع تطيب بقربهم والحب في القلوب يَجمعنا الطيب في رحابهم يجود والخير من ج...