لحظة إدراك:
قاضي يكسر قلمه بعد الحكم؟؟؟
في تلك اللحظة الصامتة التي تعقب النطق بالحكم حين تهدأ القاعة وتحبس الأنفاس لا يكون الصوت الأعلى هو صوت القاضي بل ثقل القرار ذاته هنا في هذا الفراغ المشحون بالمعاني تظهر صورة رمزية متداولة في الوعي المجتمعي القاضي يكسر قلمه ليس لأن القلم لم يعد صالحا ولا لأن الحبر قد نفد بل لأن العدالة في معناها الإنساني العميق قالت كل ما لديها كسر القلم ليس فعلا قانونيا بل إعلانا رمزيا إعلان أن السلطة انتقلت من يد القاضي إلى يد القدر وأن ما كتب لم يعد قابلا للمحو أو التعديل فالقلم الذي كان أداة البحث والتدوين والتفكير، يفقد وظيفته بمجرد أن يتحول الحكم من فكرة إلى مصير.
القاضي قبل الحكم إنسان يفكر يشك يوازن ويقارن أما بعد الحكم فيتحول إلى شاهد. شاهد على قرار خرج من ضميره قبل أن يخرج من فمه لذلك فإن كسر القلم يُفهم كقطع واع مع الذات القديمة الذات التي كانت تملك احتمالات متعددة لتبقى ذات واحدة ذات القرار النهائي في العمق يحمل هذا الرمز معنى أشد قسوة أن القاضي مهما بدا قويا يدرك أنه كتب سطرا في حياة بشر آخرين حياة قد تسلب حريتها أو تعاد لها أو تغير إلى الأبد وكأن كسر القلم اعتراف صامت بثقل هذه المسؤولية واعتذار غير منطوق عن الألم الذي قد يرافق العدل كما أن كسر القلم يحمل دلالة الحياد فالقلم أداة قد تستعمل مرة أخرى وقد تلون بالحبر نفسه أو بغيره أما كسره فهو تعهد بألا تُكتب كلمة أخرى تحت تأثير ضغط أو شفقة أو خوف إنه طقس رمزي لدفن الهوى وإعلان أن الحكم لم يكن انفعالا عابرا بل قناعة مكتملة في الأدب يظهر هذا المشهد كثيرا لأن الإنسان بطبعه يحتاج إلى رموز تجسد ما يعجز عن قوله فالعدالة فكرة مجردة لكن كسر القلم فعل محسوس لحظة واحدة تختصر صراعا طويلا بين العقل والقلب بين النص والضمير بين القانون والإنسان وربما المعنى الأعمق أن القاضي حين يكسر قلمه إنما يذكر نفسه قبل غيره بأن العدل لا يقاس بجمال الخط ولا بفصاحة الكلمات بل بصدق النية ونقاء القرار فبعد أن يقال الحكم لا تعود الكتابة قادرة على إصلاح ما كتب في المصائر لهذا تبقى صورة القلم المكسور عالقة في الذاكرة لأنها لا تمثل نهاية قضية فحسب بل تمثل لحظة إدراك إنساني
أن بعض القرارات حين تتخذ لا تحتاج تفسيرا…
بل تحتاج صمتا يليق بثقلها.
جلال الطويهري
ناشط حقوقي وسياسي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق