الحق والعدالة في زمان اللاعدالة
أَيُنْصَفُ في الدُّنيا امْرُؤٌ مِنْ زَمانِهِ؟ وَقَدْ صارَ حَقُّ الحَقِّ أَدْنَى مَهانِهِ
أَرى العَدْلَ في أَسْماءِ مَنْ لا يُقيمُهُ وَيَزْهو بِتاجٍ لَيْسَ مِنْ أَرْكانِهِ
تَنادَى الوَرى بِالحَقِّ في كُلِّ مَوْطِنٍ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ مَعْناهُ إلّا لِسانُهِ
إِذا العَدْلُ أَضْحى قَوْلَ مَنْ لا يُرَجِّعُهُ فَما نَفْعُ أَصْواتٍ بِلا بُنْيانِهِ؟
وَيا أُمَمَ الأَرْضِ المُتَّحِدَةَ اسْماً أَلَسْتِ تَرَيْنَ الظُّلْمَ في مَيْدانِهِ؟
تَجَمَّعْتِ في قَصْرٍ مُشَيَّدِ هَيْكَلٍ وَخَلَّيْتِ مَظْلوماً يَئِنُّ بِحَرمانِهِ
تُؤَسِّسُ لِلإِنْصافِ مَجْلِسَ أَمْنِهِ وَأَمْنُ القَوِيِّ المُسْتَبِدِّ أَمانِهِ!
وَمَحْكَمَةُ الدُّوَلِ الَّتي زَعَمَتْ بِأَنَّ العَدالَةَ مِنْ شِعارٍ وَعُنْوانِهِ
أَتَحْكُمُ بِالضَّعْفاءِ حُكْمَ المُسَلَّطِ وَتَنْسى الطُّغاةَ الجُبْنَ في عُدْوانِهِ؟
إِذا كانَ مِيزانُ العَدالَةِ مائِلاً فَأَيْنَ العَدالَةُ في اعْوِجاجِ مِيزانِهِ؟
لَعَمْرُكَ ما في الأَرْضِ أَظْلَمُ مِنْ فَمٍ يُنادي بِحَقٍّ وَهْوَ يَنْسى بُنْيانِهِ
تَسَرْبَلَ بِالأَلْقابِ كُلُّ مُدَّعٍ وَخَلَّى الحَقيقاتِ البِلى أَزْمانِهِ
يَقولونَ: هذا الحَقُّ دَوْليٌّ يُرْعى وَأَيْنَ الضَّحايا مِنْ رِعايَةِ شانِهِ؟
فَيا عالَماً قَدْ أَسْكَرَتْهُ مَصالِحٌ وَباعَ الحُقوقَ البِيضَ في أَثْمانِهِ
أَلَسْتَ تَرى الأَطْفالَ تُقْتَلُ ظُلْماً وَأَنْتَ تُدَوِّنُ في البَيانِ بَيانِهِ؟
تَمُرُّ القَرارات الجَوْفاءُ سَيْلاً وَلا تُسْقِطُ الجَبّارَ مِنْ سُلْطانِهِ
وَتَجْتَمِعونَ اجْتِماعَ تَنْديدِ فِعْلٍ وَتَنْفَضُّ أَيْديكُمْ بِلا إِمْكانِهِ
لَقَدْ صارَتِ الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ هَيْكَلاً يَصُدُّ الضَّعيفَ الحَقَّ عَنْ أَوْطانِهِ
وَمَحْكَمَةُ لاهاي تَصْدُرُ حكمها عَلى مَنْ يَشاءُ القَوِيُّ في أَوانِهِ
فَأَيْنَ العَدالَةُ حينَ تَنْحازُ كَفَّةٌ لِصاحِبِ قُوَّةٍ في المَشْهَدِ الفانِيهِ؟
أَيُحاكَمُ مَظْلومٌ وَيُتْرَكُ ظالِمٌ لأَنَّ لَهُ في الأَرْضِ حِصْنَ حِمانِهِ؟
فَيا أَيُّها الباغي العُلا دونَ فِعْلِها أَظَنَّكَ تَبْني المَجْدَ بِالتَّمَنّي؟
سَئِمْنا الكَلامَ المُزْخَرَفَ مِنْ فَمٍ يُحَلّي الخِطابَ الزّورَ بِالتَّزْيينِهِ
وَقُلْ لِلَّذي يَرْجو سَماءً بِلا سَعْيٍ: أَلَسْتَ تَرى الأَرْضَ المَهينَةَ دانِيهِ؟
فَلا تَدَّعي عَدْلاً وَأَنْتَ مُجانِبٌ طَريقَ الهُدى في السِّرِّ والإِعْلانِهِ
وَكَمْ قالَ قَوْمٌ: إِنَّنا أَهْلُ مُنْصِفٍ وَكانوا هُمُ الطُّغيانَ في مَيْدانِهِ
وَكَمْ ذَرَّ في الآفاقِ قَوْلٌ مُنَمَّقٌ وَلَمْ يَعْرِفِ الإِنْصافَ في ميزانِهِ
فَيا عالَمَ الزَّيْفِ المُقَنَّعِ بِالهُدى. فَضَحْتَ المُواثيقَ الكِبارَ بِهَوانِهِ
وَيا مَجْلِسَ الأَمْنِ الَّذي صارَ حِصْنَهُ لِقَوْمٍ وَلَمْ يَحْمِ الضَّعيفَ بِطُغْيانِهِ
تَحَكَّمَ فيهِ النَّقْضُ عِنْدَ مَصالِحٍ فَأَيْنَ سَبيلُ الحَقِّ مِنْ نُقْصانِهِ؟
فَإِمّا العَدالَةُ أَنْ تَكونَ حَقيقَةً يُرى الحَقُّ واضِحَ النُّورِ في كِيانِهِ
وَإمّا خُطوبٌ لا يَدومُ ظَلامُها إِذا ما بَدا الصُّبْحُ الصَّريحُ بِشانِهِ
فَطوبى لِمَنْ يَسْعى لِعَدْلٍ يُقيمُهُ وَيُحْيي الوَرى بِالفِعْلِ لا بِلِسانِهِ
وَوَيْلٌ لِمَنْ باعَ الضَّمائِرَ رَخْصَةً وَأَغْرَقَ في بَحْرِ النِّفاقِ مَكانِهِ
بقلم: فادي الطيارة
فلسطين

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق