ثورة الوعي: حين تكون النهضة فعلَ روح لا صخبَ شعارات
مدخل
ليست كل ثورة صرخة،
ولا كل نهضة بناءً يُرى.
هناك تحوّلات صامتة تبدأ من الداخل،
حيث تُصفّى الروح، ويُعاد تعريف الحرية،
ويُستعاد المعنى من بين ركام الشعارات.
أنا لا يعنيني سوى الروح الحرّة الآنية،
التي تتعاطى مع كل ما حولها بحرية واعية.
فالحرية لا تقتصر على مبادئ مُعلّبة،
بل على القدرة على إزالة ما يُقيّد الذات
دون أن نهدم الوعي نفسه.
أنا أعمق من أن أهدم الوعي؛
إذ هو مرآة الروح،
لا تُكسر بل تُنقّى،
وتُبنى على أسس متينة لا على ردّات فعل.
كل يوم يمرّ هو تجربة،
ليس درسًا عابرًا بل أثرًا يترسّخ في الذات.
التجارب لا تُختصر،
بل تُنضج،
وتمنح الروح قدرة أوسع على الفهم
دون أن تفقد صفاءها.
في خضم المراحل الكبرى وتعزيز الفكر للعمل،
تنشأ انتفاضة سريالية داخل الذات،
لا لتقويض البناء، بل لحمايته من التسطّح والانزلاق نحو الاستبداد.
انتفاضة تُذكّرنا أن أي عمل لا يقوم على الوعي والصفاء
سيتحوّل، مهما بدا عظيمًا، إلى واجهة بلا روح.
وهنا تكمن الفائدة:
أن نعي كيف نُوازن بين الفكر والفعل،
وكيف نصون جوهر ما نبنيه من أن يصبح صورة فارغة.
الهدف ليس التكديس المعرفي،
ولا الزهد كقالبٍ جاهز،
بل تصفية الروح
كي تبقى مرآة صافية للحدث الأسمى.
فالتصوف والزهد قيثارة،
لا معيارًا قسريًا،
وأي اندفاع يتجاوز طاقتنا
يُقلّص العطاء بدل أن يوسّعه.
ثورتنا ليست ضد العالم،
بل ضد التشوّش داخله.
هي ثورة وعي وتحرّر
نحكي بها ذواتنا إلى أبعد حدود الصدق،
دون وصاية،
ودون ادّعاء.
أولًا يأتي صفاء النفس،
ثم تأتي الأشياء في مواضعها الصحيحة.
فأي نهضة تُبنى على توتّر،
وأي إعمار يُشيَّد على فوضى داخلية،
سيحمل في أساسه بذور انهياره.
وحين نتحدث عن ثورة ونهضة،
لا بدّ من ملموسٍ يُرى،
لا كإنجازٍ استعراضي،
بل كفعلٍ صغير صادق:
موقف، كلمة، اختيار واعٍ.
هكذا فقط
يصبح الوعي ممارسة،
لا فكرة معلّقة.
خاتمة
النهضة الحقيقية
لا تبدأ من الخارج،
بل من تلك اللحظة الصامتة
التي نختار فيها
أن نكون أصدق مع ذواتنا
من أي خطاب.
— كتابة: كريستين أفرام

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق