رحلة للمجهول
بقلم: د. كامل عبد القوي النحاس
في زمن يختلط فيه التدين الحقيقي بالهروب من الواقع، ويُفصل فيه العمل عن العبادة، يبرز سؤال لا مهرب منه: أين يقف الإنسان من المسؤولية التي أقامه الله فيها؟ هذه قصة واقعية صيغت دراميًا بلا أسماء، لا تحاكم أشخاصًا، بل تكشف أثر ترك التخصص حين يُساء فهم الدين فيُنزَع من سياقه العملي، فيتحول من طاقة بناء إلى ذريعة انسحاب.
لم يكن المصنع مجرد مبنى، بل عقلًا حيًا. في شق الثعبان وقف مصنع الجرانيت كجبل من الفكر والعمل: إنتاج منضبط، جودة عالية، وعمال يعرف كلٌّ منهم موضعه. صاحبه لم يكن تاجرًا فقط، بل قائدًا يصنع قيمة ويبني مجتمعًا صغيرًا حوله. جمعتني به علاقة عمل تحولت إلى ثقة وتبادل خبرة.
ثم غاب. قيل: مشروع جديد. لكن الغياب طال؛ تراجعت الجودة، ضاعت المواعيد، وتاهت المسؤوليات. عاد بعد سنوات، لكن شيئًا فيه كان قد مات. سألته عن غيبته وعن مصنعه الذي انهار، فقال ببرود إنه تفرغ لدراسة القرآن بالأرقام، يبحث عن موعد قيام الساعة. رجل يعرف الحجر والاقتصاد، لكنه ضل الطريق؛ يخلط المعاني، ويستشهد بآيات لا يحسن قراءتها فضلًا عن فهمها، كأن القرآن صار أرقامًا بلا روح.
قاطعته بصدق قاسٍ: كفى عبثًا. أي دين هذا الذي يُدخَل بلا علم ولا أداة؟ أين تخصصك؟ أين مصنعك؟ أين العمال الذين تتعلق أرزاقهم بك؟ تركت ما أقامك الله له، وغصت في وهم لا يثمر. خلقك الله صانعًا ومنتجًا ورائدًا في مجالك؛ هنا قيمتك وهنا موضعك. كل ساعة لاحقتَ فيها الغيب بلا علم كان يمكن أن تبني بها وطنًا، وتحرك اقتصادًا، وتنشر خيرًا حقيقيًا. هذا هو الدين حين يُفهم عملًا.
انتهت الجلسة. غاب بعدها، فانهار المصنع، توقفت الخطوط، اختفت الجودة. ثم جاء الآخرون: إنتاج غزير بلا روح، أسعار تحرق السوق، وصناعة محلية تموت. تغيّر الاسم وسقطت اللافتة، وصار المكان عقارًا مؤجّرًا بعد أن كان قيمة وطنية. قُسِّم المصنع وتحول الإنتاج إلى مال بلا رسالة. رجل ترك موضعه، ففقد أثره وصار ذكرى.
العبرة واضحة: أخطر ما يفعله الإنسان أن يترك ما أُقيم له، وأن يهرب من الواقع إلى وهم، وأن يخوض فيما لا يعرفه، وأن يضيّع فرص العمل والإنتاج. العمل المتقن عبادة، والإنتاج المحسن دين، والأثر النافع صدقة جارية. أما التوهّم في الغيب بلا علم فيهدر الأمانة ويقتل القيمة ويُسقط الإنسان من مقامه. قف حيث أقامك الله، وأحسن فيما تُتقنه، ولا تُضيّع وجودك في وهم بلا خريطة ولا أداة.
القصة واقعية، عُرضت بصياغة درامية، وغُيّبت الأسماء عمدًا.





