رثاء الأديبة والكاتبة السورية كوليت خوري… حفيدة فارس الخوري
ترحل كوليت خوري في مخيّلتنا كما ترحل امرأة تعرف أن أثرها سيبقى أطول من غيابها.
ترحل كمن تمشي بخفّة في الذاكرة، وتترك وراءها ظلالاً من حبّ وجرأة وكتابة لا تشبه إلا نفسها.
لم تكن مجرّد كاتبة سورية؛ كانت ابنة دمشق التي حملت في صوتها رائحة البيوت القديمة، وفي قلمها تمرّد النساء اللواتي لم يجدن مكاناً في العالم إلا حين كتبن أنفسهن على الورق.
وتأتي كوليت من بيت يعرف معنى الكرامة؛ فهي حفيدة رئيس الوزراء السوري فارس الخوري، الرجل الذي وقف في الأمم المتحدة ليقول للعالم إن سوريا لا تُباع، وإن الكرامة ليست ورقة تفاوض.
ومن هذا الإرث العميق خرجت إلى الأدب… تحمل صرامة الجدّ ورهافة الأنثى، وتكتب كما لو أنّ الكلمة موقف وامتداد لذاكرة وطن.
تفتح كوليت باباً لم تجرؤ كثيرات على طرقه، وتكتب عن الحبّ في زمن كان فيه الحبّ جريمة صغيرة.
كتبت لأنها لم تشأ أن تصرخ بسكّين، فصرخت بأصابعها، وتركت لنا أدباً يشبه نافذة تُفتح فجأة على ضوء لا يشبه أي ضوء آخر.
كانت تقول لنا، من خلال «أيام معه» وسواها، إن القلب ليس خطيئة، وإن الكتابة ليست ترفاً، بل نجاة.
وحين نتخيّل رحيلها، نشعر أنّ جزءاً من ذاكرة دمشق يُطوى بهدوء.
كأنّ المدينة تفقد امرأة كانت تعرف كيف تُنصت لنبضها، وكيف تضع وجعها في جملة، وفرحها في فاصلة، وتمرّدها في نقطة لا تنتهي.
نرثيها كما نرثي زمناً كاملاً من الأدب السوري الذي كان يكتب بصدق، ويخاف، ثم يكتب رغم الخوف.
كوليت خوري…
يا حفيدة فارس الخوري،
يا سيّدة الكلمات التي لم تخضع،
يا امرأة جعلت من الحبّ موقفاً،
ومن الكتابة خلاصاً،
ومن الجرأة قدراً لا يُناقش.
نمضي في وداعكِ كما لو أننا نودّع جزءاً من دمشق،
ونترك لكِ وردة على عتبة اللغة…
وردة تعرف أنّكِ، حتى في الغياب،
تظلين حاضرة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق