يمثّل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني أحد المقاربات التنموية الحديثة التي برزت كاستجابة موضوعية لمحدودية النماذج الاقتصادية التقليدية في تحقيق العدالة الاجتماعية والتوازن التنموي. ففي مقابل الاقتصاد التقليدي القائم أساساً على آليات السوق وتعظيم الربح وحرية المبادرة الفردية، والذي أثبت نجاعته في خلق الثروة وتحفيز الاستثمار، إلا أنه أفرز في المقابل جملة من الاختلالات، على غرار تفاقم الفوارق الاجتماعية وتهميش بعض الفئات غير القادرة على الاندماج في الدورة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، جاء الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ليؤسس لمنوال تنموي بديل في مقاربته، مكمّل في وظائفه، حيث يرتكز على مبادئ التضامن والتكافل والحوكمة التشاركية، ويضع الإنسان في صلب العملية الاقتصادية، مع الحرص على تحقيق التوازن بين الجدوى الاقتصادية والبعد الاجتماعي.
غير أن هذا التوجه لا ينبغي فهمه باعتباره بديلاً أو منافساً للاقتصاد التقليدي، بل هو في جوهره نموذج مساند ومكمّل له، يتدخّل أساساً لمعالجة النقائص التي قد يعجز السوق عن تداركها، خاصة في ما يتعلق بالإدماج الاقتصادي للفئات الهشة وتحقيق العدالة في توزيع الثروات. كما يضطلع بدور محوري في دعم المبادرات المحلية، وتنشيط الاقتصاد الجهوي، وفتح آفاق الاستثمار أمام شرائح مجتمعية كانت إلى وقت قريب خارج المنظومة الاقتصادية المنظمة.
وفي بعده الاستراتيجي، يساهم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بشكل مباشر في تعزيز الأمن والاستقرار، باعتباره أداة فاعلة للوقاية من التوترات الاجتماعية والحد من مظاهر الإقصاء والتهميش. فمن خلال توفير فرص العمل، خاصة لفائدة الشباب والنساء، والحد من البطالة والفقر، يساهم هذا النموذج في تقليص مسببات الهشاشة التي قد تكون أرضية لعدم الاستقرار. كما يعزز روح الانتماء والمواطنة عبر إشراك الأفراد في مشاريع جماعية قائمة على المسؤولية والتضامن، مما يدعم الثقة في المؤسسات ويكرّس السلم الاجتماعي.
وعليه، فإن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يُعدّ رافداً أساسياً ضمن المنظومة الاقتصادية الوطنية، لا يقتصر دوره على تحقيق التنمية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشكّل دعامة حقيقية للأمن الشامل والاستقرار المجتمعي، من خلال ترسيخ العدالة التنموية، وتوسيع قاعدة المشاركة في النشاط الاقتصادي، وضمان حق مختلف الفئات، وخاصة الهشة منها، في النفاذ إلى الاستثمار والمساهمة الفعلية في دفع عجلة التنمية المستدامة.
> اقتصاد متوازن يقوم على ثلاثة أعمدة: قطاع عمومي ضامن، قطاع خاص مُحفّز، واقتصاد اجتماعي وتضامني عادل وشامل.
رابح غنيمي
مستشار دراسات ومرافق مشاريع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق