رسالة إلى العالم
شعر: نادية نواصر
أنتم، يا من أبدتم الإنسان،
ذبحتم النهارات من نسغها الطالع،
واعتقلتم الشمس عند طلوعها،
يا سارقي الرغيف من أفواه الأبرياء،
يا قُطّاع طرق الفرح
القادم من أرخبيلات النور.
أنتم، يا زارعي الأحقاد
في صلصال الروح المرتجف،
حتى صار الوجع ثائراً
على جسد العالم المنهك من مآسيه.
من أعطاكم تأشيرة المرور إلى أحلامنا؟
من منحكم حق الإبادات بالجملة؟
القتل والنهب والفتك شريعتكم
الموقعة بأصابع الشر.
كيف عبرتم إلى ضفة نورنا؟
وقبضتم روحه وهو يناور كبرياءه
في حضوره الباذخ؟
هل كنتم على موعد ماكر
بليلٍ مزدحم بالموت؟
أيها الدمويون، مصاصو الدماء،
من قال لكم إن دمنا ماء،
وأن دموعنا وحل،
وأن أجسادنا صفائح نار؟
من أوهمكم أن قلوبنا حجر،
وأن صدورنا من أضلع برونزية
حتى نُساق إلى موتنا البطيء؟
لسنا الحياة، ولسنا الموت،
ولسنا نحن…
نحن العالقون بينهما
في ممر الجرح القومي.
من أباح لكم فضّ بكارة الجميلات؟
من أعطاكم حق العبث بالشرف العربي؟
تنحّوا عن سمائنا،
لملموا الوحش الساكن فيكم،
واحملوا شركم في أحداق خيبتكم،
واذهبوا حيث يشبهكم الخراب.
نحن من سلالة الوميض الأصلي،
من هذا الصعيد الطاهر
الذي يرتشف عرق الشرفاء
وينصت إلى نبض الإنسان.
نحن أصل هذه الأرض
التي تجيد الغناء
لأبنائها الشرعيين.
وهذه زيتونتنا المباركة…
فأنتم من أنتم؟
يا نثار الريح المعجونة بالكراهية،
يا بقايا حطب في حريق مؤجَّل،
هذه أوطاننا:
حلمٌ قُدَّ من دمنا ولحمنا وصلصالنا،
ومن صراخ الشهداء والمنفيين.
تاريخنا مترع بالفتوحات،
وأنتم الدخلاء والعملاء
والضاربون في القبح.
احملوا انكساراتكم،
وتنحّوا عن سماء الإنسان.
لن نسامحكم، يا غزاة الصباح.
سنرجع إلى زمن الحلم
في الهزيع الأخير من النكسة،
ومع غبش الفجر
نطرق أبواب الحرية
بأذرع من رجاء،
تصحبنا صلوات الرب
وأناشيدنا القومية.
هذه البلاد التي فقدت نشوة الفرح
لن تسامحكم:
دفنت فلذة الكبد،
وأضاعت خطو المطر،
وفتحت بابها للصراخ.
سنرجع إلى زمن الضوء،
هذا وعد الشرفاء،
سنكسر وجه الظلام الجريء،
ونغني على مرفأ الحلم:
هذه البلاد لنا، وهذه القلاع.
هذا وعد الشهيد
وهو يودّع حبيبته عند الشهقة الأخيرة،
ووعد الصغار
الذين نسوا مرح الصباح في الحي العتيق،
ووعد الثكالى والأرامل،
ووعد العاشقات
وهن يودّعن عشاقهن الشهداء
بمنديل من دمع،
لعل الفراق يكون رحيماً بقلوبهن.
يا حداد الطيور
عند حدود سماء الدخان،
كيف نقطف نجمتنا؟
كيف نحاور مواسم السلام
لتعود أوطاننا إلى أصلها ويقينها؟
كيف يرجع كحل الجميلات إلى عيونهن،
وكيف يعدن إلى الحب ببذخ الأنثى؟
كيف نكتب تاريخنا معافى
من كل العلل والأكاذيب؟
ماذا نقول للقادمين على صهوة السؤال؟
أجبني، يا صهد الجرح،
إني على وتر الجرح الغائر
ألامسه ويخونني نسيانه.
كيف عبرتم إلى جرحنا بلا حياء؟
كيف سرقتم اللغة والطقوس؟
مزجتم بحر الدم بنهر الدموع
حتى صار للأنين ضفاف وهضاب.
فماذا تريدون أكثر؟
أما آن لليل أن ينجلي؟
أما آن للجرح أن يلتئم؟
أما آن للعابرين أن يزولوا؟
فنحن نشيد الخلود،
واصل البلاد، وأصل النهاية،
ونحن الوجود بأكمله.
وأنتم من أنتم
يا تجّار السلام
وسارقي الربيع
من عيون الفصول وكفّ المواسم؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق