/// ديوان : ذبيحُ الجهاتِ ..
للشاعر والأديب السوري : مصطفى الحاج حسين .
بقلم الشاعر والناقد : عبد اللطيف بنصغير .
وأنا أقرء ديوان الشاعر السوري ( مصطفى الحاج حسين ) وأقول السُّوري لأنه إنسان مغترب ، يعيش في الغربة .. والشاعر يحب بلده حبا متغلغلا في روحه .. يحب حلب حباً شديداً ، وسنجده يذكرها في عدة قصائد (( بنوسطالجيا )).. مؤثرة جدا .. هو يعيش غربة يرفضها ، ثقيلة على نفسه .. يرزح تحت وطأتها.. ينظر إلى بلده بشوق شديد .. يتأسف على هجرته منها ..وهو كاللاجئ لم يستطع أن يتقبل هذا الفراق الذي فرضه القدر عليه فرضاً .. وهذه الغربة .. جعلت الشاعر يعيش اغترابا داخل ذاته.. إغتراب ضارب موجع مؤلم .. هذا الإغتراب جعله يعاني من جرح عميق جداً .. والشاعر مصطفى الحاج حسين .. عندما تتبعت شذورا من سيرته الذاتية، وجدته شاعراً بالفطرة .. إنسان حساس، كتب الشعر في بداية حياته.. وكانت قصائده متميزة منذ البداية .. فقد استطاع أن ينشر في بداية حياته وأن ينال إستحسان القراء.. وكانت له مواجهات مع والده ، الذي لم يستطع أن يفهمه ، ويتفهم أن إبنه ولد شاعراً ، مصيره الشعر .. فوالده لم يستطع أن يتفهم معنى الشعر .. هو كان بناء ، وهي مهنة فيها الكثير من المشقة .. وفي الحقيقة أن معاناته مع والده والمواجهات العنيفة التي عاشها معه ، كان لها أثر شديد في تكوين بناء قصيدته .. ولذلك فنحن نلمس حزنا شديدا يصل إلى درجة مؤثرة جدا .. إلا أن أمل الشاعر كان قويا منذ البداية ، جعله يتشبث بالحياة بقوة .. ولكن جعل منه شاعرا فقط لا غير .. هو لا يستطيع أن يكون إلا شاعراً .. وكذلك وأنا أقرء ديوان(( ذبيح الجهات )) أثارني محور الرومانسية عند هذا الشاعر الكبير .. والمشكلة أن حضه في الحب لم يكن إيجابيا.. كذلك فنجده يحب ويشقى بحبه ،بل ويتعذب فالحبيبة لا تسقيه الحب والهناء ، بل تسقيه الصد والهجران .. وسنجده يعاني معاناة شديدة ، كذلك في هذا المحور ، حتى أنه حول الألم إلى متعة ، وحول الهجر إلى لوعة ، يشدوا بها ويترنم ويؤسس تراكيباً لغوية عجيبة ومدهشة في هذا المضمار .. هي في حد ذاتها مدهشة وممتعة ولذلك.فقد آثرت أن أقسم هذا المدخل لقراءة ديوانه إلى محورين محور الرومانسية ،ومحور الغربة و الإغتراب أو الهجرة .
التركيب اللغوي الشعري في ديوان( ذبيح الجهات )
أرى أنه من غير الملائم دراسة الشاعر ( مصطفى الحاج حسين ) دون الكلام عن التركيب اللغوي في كتاباته ، وذلك هو ما يتغاضى عنه معظم النقاد ، الذين درسوا قصائده ، وأرى أن تبسيط هذا المحور ضروري جداً ، لفهم قصائد هذا الشاعر الكبير ، فالمعنى يوجد داخل التراكيب ، وإذا لم يدخل الناقد للبنيات التركيبية لقصائده ،سنجد الناقد فقط وصف القصيدة دون شرحها .. وسأعطي مثالاً نموذجياً من قصيدته (أتعرى من الكلمات )حيث يقول :
أتعرى من الكلمات ..
هو يتعرى من الكلمات ، كما لو أن الكلمات هي التي تستر جسده ، وفي الواقع هو يتعرى .. يتخلص من عبئ معاناة ، بلفظه شعراً .. قصيدة هي التي سنقرء أنظر معي إلى هذه الإنزياحات الشديدة : ( أتعرى من الكلمات
فأبدوا قطرة دمع )
تحول الشاعر إلى قطرة دمع .. صورة مؤثرة جداً ، هو كله تحول إلى قطرة دمع .. إلى ألمٍ .. إلى معاناة إنه تشبيه بليغ ..
( على ضفاف الحنين )
أو للحنين ضفافاً ?!.. نعم فالحنين تحول إلى نهر له ضفاف عند الشاعر ..
( تحيطني مجاهيل الدروب )
تتشعب الدروب .. ولكل درب أسرار مجهولة..
( أتطلع إلى أفق يابس )
الأفق أصبح يابسا .. هو يأس من نزول الغيت .. أو المطر الذي يعطي الحياة والإستمرار ..
( محني الظهر )
صورة إنكسار جسم مدوية.. هو إنكسار وجداني .. وانكسار جسدي ..
( شائب الغيم )
الغيم شائب حزن قاتم قاتل .. مكفهر النبض ..
النبض مكفهر القلب ، موطن الأحاسيس ظلام دامس .. ونبضه غير صحي
( أسأله عن أحبتي )
هو يبحث عن وطنه في بلده.. هي الغربة هو
الإغتراب .
هذه القصيدة تتموضع في المحور الثاني ، الذي أسميته الغربة والإغتراب ، وقد دخلت إلى تركيب أجزاء النص ، لمحاولة القبض على المعنى.. وهكذا أكون قد وضحت مقاربتي لقراءة ديوان ( ذبيح الجهات ) للشاعر مصطفى الحاج حسين ..
بقلم بنصغير عبد اللطيف مدخل لقراءة ديوان ذبيح الجهات للشاعر مصطفى الحاج حسين من سوريا الجزء الأول .
الحزن ..
هذا المصطلح الذي نكرهه جميعا.. نريد التخلص منه ، ونبذه ، والإبتعاد عنه بشتى الوسائل، لا نترك سبيلا إلا ونسلكه للتخلص من شعوره القاتم، القاتل. الحزن .. يجثم على الصدور، يحولها إلى ظلام، إلى سواد ،إلى كثل سلبية ،إستلابية ،فيرى الإنسان أناه والناس بطريقة سلبية تشاؤمية قاتلة..الحزن يقضي على الأخضر واليابس.. يأتي على الأمل الذي به نتنفس ..الأمل الذي يعطينا ضوء الإستمرار.. يرسم الإبتسامة على شفاهنا ..يمدنا بالطاقة لمواجهة الحياة،تيمة الحزن هي التيمة المركزية في شخصية
الشاعر الكبير مصطفى الحاج حسين.. نشأته، غربته معاناته ،في الحب.. جعلت منه فضاء حزن ..مسكن حزن.. هذا الحزن سكن مسامه.. إستحوذ على كيانه تملكه.. تجرعه الشاعر أجزاء مجزأة، تنفسه هذا الحزن، هو محرك طاقاته الإبداعية.. تفجر كبركان تشظى في الفضاء ،حروفاً كلماتاً جملاً تراكيباً صوراً شعرية رائعة الجمال، أنساقاً فنية .. مقطوعات موسيقية ..درامية.. مؤثرة جداً .. لوحات فنية تشكيلية عالية القيمة ،غالية الثمن.. هذه الطاقة جعلت من( مصطفى الحاج حسين ) رائد الشعر العربي الحديث.. أو من رواده .. أنا شخصياً أضعه في المركز الأول ، لماذا ?.. بناء قصيدته الشعرية.. تركيبه اللغوي للصور الشعرية.. تفريغ ذاته ومشاعره في قصيدة شبه واضحة.. هو لم يغلق ممرات الفهم على القارئ، برسم صور معقدة تستعصي على الفهم بل أعطى دروسا عميقة في بناء الإنزياحات اللغوية لطلبة الأدب، في الجامعات ..وأعطى دروساً في فن تركيب الصورة الشعرية، للطلبة الذين يهيئون أطروحات لنيل أعلى الدرجات العلمية في الأدب، ولذلك فقد آثرت أن أعطي قصيدتين له.. نموذجاً للدخول لقراءة ديوان( ذبيح الجهات ) وهذا الذبيح هو الشاعر.. والجهات من الممكن أن ترمز إلى الكثير من المعاني في هذا السياق .. ربما جهات الأرض.. ربما جهات الأحاسيس.. ربما جهات المتناحرين في سوريا.. الذين يشعلون النار في أرجائها ،وقد اخترت قصيدة ( أذرع التوهان ) لدراسة محور الغربة والإغتراب :
/// أذرع التوهان ...
شعر : مصطفى الحاج حسين .
إخترت أن أقوم بمقاربة تحليلية، لندخل نحن القراء فعليا لقلب بناء القصيدة ..عند الشاعر ، لا أن نتكلم عنه فقط .. وسنلاحظ أن البناء اللغوي الشعري ليس لا سهلاً ولا ممتنعاً .. وذلك هو ما يميز الشاعر .. وسنقف على المكونات اللغوية ، التي جعلت من ( مصطفى الحاج حسين ) رائدا من رواد الشعر العربي الحديث .. إذن المحور الأول هو الغربة والإغتراب :
(أفترشُ غربتي لأنامَ)
الغربة تحولت إلى فراش ، سينام عليه الشاعر .. إنزياح عميق
(أتمدّدُ فوقَ أوجاعي)
هو يتمدد ، يأخذ راحته.. ليس على فراش من حرير بل على أوجاع ، جمع وجع .. صورة شعرية مدهشة
(لحافي آهتي)
اللحاف ، هو ما نلتحف به .. عندما نتمدد على الفراش .. حوَّله الشاعر إلى آهات :
(ووسادتي دمعةٌ تحترقُ)
وسادته ، التي يتوسد ويضع تحت رأسه دمعة تحترق .. صورة شعرية من الروعة بمكان .. إذن الفراش غربة وأوجاع.. والوسادة دمعة تحترق.. هذا هو التميز .. بسط للصور تأثير في القارئ وتواصل مفاهيمي ، يكفي أن يتأمل القارئ جيدا .. ليفهم ويتم التواصل :
(أشعلُ صمتي لفّافةً)
الصمت ، تحول إلى لفافة تبغ .. سيشعلها الشاعر ويستمتع بنفثها :
(وأتركُ لحنيني أنْ يقضمَ نبضي)
سيترك حنينه ، شوقه واشتياقه.. يقضم ، القضم هو قضم الطعام بالفم والأسنان ..وسيقضم نبض قلبه صورة شعرية في منتهى الجمال :
(كم مضىٰ على موتي)
يتساأل الشاعر كم مضى من الزمن على موته:
( في هٰذا الفِراقِ ؟! )
فراق الوطن .. إنها الغربه التي جعلته يعيش الإغتراب :
( والثّلجُ يسقطُ في ذاكرتي )
الثلج يسقط في ذاكرته ..إنها درجة برودة تحت الصفر .. يعطيها الثلج .. يعني معاناة، فالحرارة المفرطة في الصيف، تعطي معاناة.. وبرودة الثلج في البرد تعطي معانات.. صورة شعرية رائعة:
( تعصفُ في جوارحي الأسئلة ُ)
تحركت العاصفة ..وهي ريح صرصر ، من الأسئلة الشاعر يطرح نفسه للقارئ .. تشبيه رائع :
( وتمشي بي هواجسي )
الهواجس ، سيطرت على الشاعر .. وستسير به إلى أين ? :
( إلى دروبِ الانتحارِ )
إلى دروب الإنتحار .. إنه إنتحار .. موت له دروب :
( ينتظرُني مدىٰ من هلامٍ
وأنا أجثو فوقَ السّرابِ
ألاحقُ سماءً نَبَذَتْ أجنحتي
ويطوّقُني العدمُ
مِنْ كلِّ جهاتِ البَوْحِ
والأرضُ تدهسُ لهفتي
والهواءُ جارحٌ
تمزِّقُني مناقيرُ الندىٰ
وأنا أشربُ نزيفَ السّقوطِ
يقتاتُ القهرَ على حنجرتي
ويعبُّ من غصّتي
جحيمَ المستحيلِ
طالَ انتظارُ جثّتي
انكساراتي تحملُ تابوتي
وتدورُ على أبوابِ الصّدىٰ
والهزيمةُ لا تفتحُ لي قبرَها
لأبقىٰ بلا وطنٍ
يرتدي سُحُبي
توضّأتُ بالزمهريرِ
وكانتْ صلاتي
تبحثُ عَنِ القِبلةِ
في زحمةِ الجهاتِ
الهاربة ) .
بقلم مصطفى الحاج حسين
إسطمبول
أكتفي بهذا القدر وأنتقل إلى محور الرومانسية وقد اخترت قصيدة إعتذار :
/// إعتذار ...
شعر : مصطفى الحاج حسين .
( غادريني ..
ما عدتُ أطيقُ هذا التواجدَ
في دمي )
الشاعر بعد اعتذاره .. يقول لحبيبته التي لم تذقه طعم الحب : غادريني .. يقول لها إرحلي واتركيني ما عدت أطيق هذا التواجد ، هو لا يكره تواجدها ولكن يكره تواجدها ، في هذا الشكل في دمي هي تسري في دمه .. يعشقها عشقا يسري في دمه يدور في جسده .. يمر من جميع أعضائه :
(أعطيني فرصةً كي أتحررَ منكِ)
يقول غادريني .. أعطني فرصة لأتحرر منك .. هو يريد الحرية لنفسه، من تعذيبها له .. يريد أن يصبح حراً من تملكها له :
( غادرَني عمري
وحبُّكِ يتلبسُني بلا رحمةٍ )
غادره عمره .. الشاعر فقد حياته .. فقد المتعة بأيامه .. فحبها يتلبسه ، يسكنه بلا رحمة .. هي تسقيه العذاب .. تصوير رائع بديع :
( صارت بسمتي
تدمعُ كلما ناديتُها )
بسمة الشاعر .. تتحول إلى دموع .. كلما نادى حبيبته .. عذاب وتعذيب :
( وصارَ قلبي أخرقَ
لا يعرفُ أينَ يتجه ُ)
وأصبح قلبه أحمقاً بليداً ، لا يعرف أين يتجه .. إلى أين المفر .. صورة شعرية رائعة :
( أشفقي على مشيبِ قصيدتي )
يقول لها أشفقي.. يستجدي الرحمة منها .. يطلب منها أن تحن وتشفق على قصيدته لا عليه .. فقد التلبس بالقصيدة وأصبحت القصيدة هي الشاعر .. والقصيدة شابت من أنين الألم وشاخت :
( هدَّني موتُ أوردتي
وأنتِ ما تنفَكِّينَ عن إشعالِها )
هدني موت ، عروقي التي تتواجد بقلبي .. وأنت لا تتوقفين عن إشعال النيران فيها :
( حبُّكِ نقمةٌ طاردَتني
غضبُ اللهِ على روحي
أيُّ ثأرٍ لكِ عندي
ليسَ عدلاً هذا الحبُّ
غادريني )
حبها نقمة غضب من الله عليه . هل لك عندي ثأر ، هذا الحب ليس عادلاً .. غادريني .. إرحلي .. وصف رائع لأحوال الشاعر لنبضات مشاعره :
بأقصى ما يمكنُ.. ارحلي
وابتعدي قَدْرَ ما تستطيعينَ
لا أريدُ منكِ تعويضاً عن عمري
سامحتُكِ عنِ اختناقي
وجرحي ودمعي
لا أحملُ لكِ ضغينةً في قلبي
حتى إني لا أكرهُكِ
فقط ..
أزيحي عنيَ الأوجاعَ
هيَ من جراءِ عشقي
كوني على حيادٍ على الأقلِّ
لا تقتلي مَن حمَلَ لكِ الوردَ
ولا مَن كتَبَ عنكِ الشعرَ
أخطأتُ و طرقتُ بابَكِ
فهل أنا أجرمتُ ؟!
أعتذرُ منكِ عن حبٍّ أحمقَ
تقبلي اعتذاري
وسامحيني *.
مصطفى الحاج حسين .
إسطنبول
أكتفي بهذا القدر ، وأقول : أنني إستمتعت بهذا الديوان الرائع ( ذبيح الجهات ) الذي ربما سيرى النور ،عما قريب .. أنا لم أحاول إلا تبسيط عملية القراءة .. وأقول : هنيئا لنا بشاعر عربي كبير ،إسمه
( مصطفى الحاج حسين )
بقلم .. بنصغير عبد اللطيف
المغرب
مدخل لقراءة ديوان : ( ذبيح الجهات )
للشاعر السوري مصطفى الحاج حسين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق