حين يصبح الصمت لغة للعلاقات
بقلم / امين غيث
في زمنٍ تتسارع فيه الرسائل وتزداد فيه وسائل التواصل، يبدو أن الإنسان أصبح أقل قدرةً على التواصل الحقيقي. فكثيرٌ من العلاقات اليوم تعاني ما يمكن تسميته بـ"الصمت الانفعالي"، حيث يحضر الأشخاص بأجسادهم، بينما تغيب مشاعرهم واهتماماتهم.
ومن منظورٍ سيكولوجي، لا يكون الصمت دائمًا دليلًا على الهدوء، بل قد يكون استجابةً لضغوطٍ متراكمة، أو شعورًا بعدم الأمان، أو خوفًا من سوء الفهم. ومع تكرار هذا النمط، تتسع الفجوة بين الأفراد، ويصبح الحوار استثناءً بعد أن كان أساس العلاقة.
وتفرض الرؤية العصرية إعادة النظر في مفهوم التواصل؛ فالإعجاب بمنشور أو إرسال رمز تعبيري لا يغني عن كلمة صادقة أو حوارٍ دافئ. فالاحتياجات النفسية للإنسان، مثل التقدير والاحتواء والانتماء، لا تُشبَع عبر الشاشات وحدها، بل تنمو في العلاقات الإنسانية القائمة على الإصغاء والاحترام.
إن بناء مجتمعٍ متماسك يبدأ من أسرةٍ تتحدث، ومدرسةٍ تُنصت، ومؤسساتٍ تُعلي قيمة الحوار. فالكلمة الطيبة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداةٌ للعلاج النفسي، وجسرٌ يعبر بالإنسان من العزلة إلى الطمأنينة.
لذلك، فإن الاستثمار الحقيقي في مستقبل المجتمع لا يقتصر على التطور التقني، بل يشمل أيضًا تنمية الذكاء الانفعالي، وترسيخ ثقافة الحوار، لأن الإنسان سيظل في حاجةٍ إلى قلبٍ يفهمه قبل أن يحتاج إلى جهازٍ يوصله بالعالم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق