السبت، 17 أكتوبر 2026

د محمد الجركس يكتب... أيها الصمتُ... يا أجملَ ما لم يُقَل


 أيها الصمتُ... يا أجملَ ما لم يُقَل

أيُّها الصَّمت؛ إنَّكَ أفضل مِنْ كُلِّ ما سَمِعت.
أجل، أفضل من كل كلمةٍ وصلت إلى أذني، ومن كل صوتٍ سكن صدري، ومن كل وعدٍ مشى إليّ ثم رجع خائبًا. سمعتُ كثيرًا: سمعتُ مدحًا يخفي سكينًا، واعتذارًا يخفي تكرارًا، وحبًّا يشبه العادة، وصدقًا يجرّ خلفه الخوف، ووداعًا كان يُقدَّم بابتسامة. سمعتُ ضجيج الناس، وهمس الخيبة، وصراخ الجراح حين تتكلم بلا صوت. وكلما ازدحم السمع بالكلام، ازداد القلب يقينًا أنك، أيها الصمت، أرحم وأصدق.
أنت لست غيابًا، ولا فراغًا، ولا هزيمة. أنت مساحة واسعة تتنفس فيها الروح، ومرآة لا تكذب، وصديق لا يقاطعك، وحبيب يفهمك دون أن تشرح. فيك أرتاح من ثقل التبرير، ومن عبء الرد، ومن ملاحقة الكلمات التي لا تشبهني. فيك أضع رأسي على وسادة من سكون، فأسمع نبضي يعود إلى وطنه.
أحبك أيها الصمت، لأنك لا تخون. لأنك تحفظ ما لا تحفظه الألسنة. لأنك تحتوي الدمعة قبل أن تسقط، والغضب قبل أن يجرح، والحب قبل أن يتبدد في الكلام. أنت لغة العارفين، وخباء الجرحى، وتاج الحكماء، وسرّ العاشقين. ما أجمل أن يصمت المرء وهو قادر على الكلام، لا لأنه عجز، بل لأنه ارتقى.
نعم، سمعتُ كثيرًا، وندمت على بعض ما سمعت. لكني لم أندم على صمتٍ حفظ كرامتي، ولا على سكوتٍ أنقذ قلبًا، ولا على هدوءٍ أعاد إليّ نفسي. الصمت الذكي ليس استسلامًا، بل موقف. والصمت الحنون ليس برودًا، بل احتواء. والصمت القوي ليس ضعفًا، بل نضج. أما الصمت الذي يشبه القبر، فذاك ليس صمتي؛ صمتي نافذة، لا جدار.
أيها الصمت؛ إنك أفضل من كل ما سمعت، لأنك لا تعد، ولا تتغير، ولا ترحل. تبقى حين يرحل الناس، وتصفو حين يعكر الكلام، وتصدق حين تكذب الأصوات. فامكث معي رفيقًا لا سجانًا، ومعلّمًا لا خصمًا. علّمني أن أتكلم حين يكون الكلام نورًا، وأن أصمت حين يكون الصمت نورًا. واجعل صمتي دعاءً، لا عجزًا؛ وحكمةً، لا خوفًا؛ وحضورًا، لا انسحابًا.
يا صمتُ، يا أجمل ما سمعته أذني حين لم تسمع شيئًا...
إنك أفضل من كل ما سمعت.
✍️ د محمد الجركس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

د ـ علاء أبو شحاتة يكتب.... لا تفعل ولا تسألني لماذا ؟

  لا تفعل ولا تسألني لماذا ؟ لا تنساق خلف مشاعرك وتسلم قلبك دفعة واحدة ، وإن كان من أحببت يستحق ويؤتمن ، أما عن السبب فلا تسألني لماذا ؟...